جغرافيا مصر و"عوامل التعرية" السياسية

خريطة مصر
عصام زيدان
رغم ما يقال عن تراجع دور مصر على المستوى الإقليمي, بفعل العديد من العوامل النابعة من طبيعة الداخل السياسي أو ذلك الخارجي إلا أنها ما زالت محط الأنظار والمطامع التي تلتقي عندها رغبات بعض الفئات الداخلية الموتورة مع تطلعات بعض القوى الخارجية الإقليمية والعالمية المتربصة.
جغرافية مصر هي من بين تلك المفردات الكثيرة التي يبغي المتربصون داخليًا وخارجيًا النيل منها وتقسيمها بما يحقق لكل طرف مراده ومبتغاة الذي قد ظهر واضحًا جليًا في بعض الأحيان, فيما بقي البعض طي السرية والكتمان.
ونحاول أن نلقي هنا بعض الضوء على تلك المهددات التي رائحتها قد بدأت تزكم الأنوف, نتعرض في بدايتها للمعونة الأمريكية وأثرها في تسييس الجغرافيا الداخلية لمصر, ثم الأخطار التي يتعرض لها الجنوب, وأخيرًا مكمن الخطر في شرق مصر, وخصوصًا في سيناء.
المعونة الأمريكية وتسييس الجغرافيا:
بدأت قصة المعونة الأمريكية لمصر مع وصول الرئيس الأمريكي جون كينيدي للبيت الأبيض في ستينيات القرن الماضي، حيث كان يعتقد أنه من الأفضل للولايات المتحدة انتهاج سياسة الوفاق مع مصر بدلاً من سياسة المواجهة، وكانت المعونة عبارة عن فائض المنتجات الزراعية الأمريكية.
وتم قطع المعونة بعد سنوات قليلة من طرف الرئيس الأمريكي جونسون قبل بدء حرب عام 1967، وعادت لمصر من جديد عام 1976, بعد التحول في السياسة الرسمية المصرية، وما أعقبه من التوقيع على اتفاقيات كامب ديفيد مع "إسرائيل", ووصلت قيمتها إلى ملياريْ دولار, ما جعل مصر ثاني أكبر بلد يتلقى معونات مباشرة من الولايات المتحدة بعد "إسرائيل" التي تحصل على ثلاثة مليارات دولار.
والحديث عن المعونة الأمريكية لمصر وأثرها في التوجهات السياسية حديث لا ينتهي, سواء من حيث كيفية توظيفها أمريكيًا, ومدى قدرة الولايات المتحدة على الإقدام على تخفيض أو قطع تلك المعونات عن مصر وأثر ذلك في سياستها في المنطقة من ناحية.
وفي الناحية المقابلة ما هو الرد المتوقع من مصر إذا ما قطعت بالفعل الولايات المتحدة المعونة ـ وهو غير متوقع في المستقبل القريب ـ وهل بمقدور مصر إضعاف الأثر السياسي لتلك المعونات وامتصاص الآثار الناتجة عن تخفيضها أم لا؟
هذا كله محل دراسة مستفيضة قديمًا وحديثًا, ولكن اللافت للنظر مؤخرًا أن الولايات المتحدة قد بدأت في استخدام معونتها تلك للتأثير في جغرافيا مصر في محاولة لتمييز هذا الجغرافيا طائفيًا وعرقيًا بما يخدم مصالحها المستقبلية.
فقد نشرت وكالة أنباء "أمريكا إن أرابيك" نص وثيقة مقدمة للكونجرس الأمريكي بتاريخ ١٧ مايو ٢٠٠٦ يقر فيها مسئول بارز في هيئة المعونة الأمريكية بأن واشنطن غيرت في السنوات الأخيرة هيكل المعونة المدنية لمصر لتركز بشكل غير مسبوق على المناطق السكنية التي يمثل الأقباط أغلبية فيها، وعلى ما سمته الوثيقة "تقوية منظمات غير حكومية مسيحية قبطية".
وقدم هذه الوثيقة الواقعة في عشر صفحات للكونجرس الأمريكي، مساعد مدير هيئة المعونة الأمريكية لشئون آسيا والشرق الأدنى جيمس آر كوندر، أمام اللجنة الفرعية لشئون الشرق الأوسط المتفرعة عن لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأمريكي.
وجاء في نص الوثيقة: "إن مشروعات هيئة المعونة الأمريكية في الصحة والتعليم والبنية التحتية وتنمية المجتمع المدني تعمل الآن في كل منطقة ذات نسبة سكانية قبطية كبيرة، وبشكل رئيس في جنوب مصر وفي مدن مثل القاهرة والإسكندرية".
وتعتبر هذه أول وثيقة تفضح الدور المتصاعد للولايات الأمريكية في الأماكن السكنية التي يكثر تركز الأقباط فيها, حيث أفصحت عن وجود تمويل أمريكي مباشر لعشرات المنظمات قالت عنها: إنها منظمات غير حكومية مسيحية مصرية حصلت على أكثر من ٢.٢ مليون دولار من المنح خلال السنوات الست الماضية.
فالمعونة الأمريكية إذن - وإن كانت في بدايتها تستهدف ربط القرار السياسي المصري بالمصلحة الأمريكية - إلا أن التطور اللافت هو رغبتها في اختراق جغرافيا مصر وتقسيمها على أسس دينية وطائفية, حيث تسعى لرفع المستوى المعيشي والاقتصادي في أماكن تمركز هذه الشريحة القبطية, تمهيدًا للغد المرتقب الذي تسعى فيه لتكريس هذا التقسيم وتفتيت البلاد على نحو ما كان في دولة السودان.
جنوب مصر.. جغرافيا تحت مطرقة التقسيم:
فيما يخص الجنوب المصري نتطرق إلى قضيتين أساسيتين:
1ـ مشكلة دارفور وأثرها في الجنوب المصري:
رغم مئات المشاكل التي تنتاب العالم, إلا أن قضية إقليم دارفور, غربي السودان, ومن قبلها مشكلة الجنوب السوداني شكلت أهمية فائقة للولايات المتحدة وبعض القوى الغربية إضافة إلى "إسرائيل".
وقد يفسر الأهمية التي توليها "إسرائيل" لهذا الإقليم وعلاقته بما يدور من مخططات لتقسيم مصر وبتر جنوبها عن الشمال في تجربة مناظرة للتجربة السودانية
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ